الشيخ محمد رشيد رضا
15
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قوم الا وقد أنزلنا بهم الشدائد والمصائب « 1 » بعد ارساله أو قبيله لنعدّهم ونؤهلهم بها للتضرع وهو إظهار الضراعة أي الضعف والخضوع لنا ، والاخلاص في دعائنا بكشفها ، فلعل تفيد الاعداد للشيء وجعله مرجوا . ومما ثبت بالتجارب وتقرر عند علماء النفس والاخلاق ان الشدائد وملاحج الأمور مما يربي الناس ويصلح من فسادهم ، فالمؤمن قد يشغله الرخاء وهناء العيش فينسيه ضعفه وحاجته إلى ربه ، والشدائد تذكره به ، والكافر بالنعم قد يعرف قيمتها بفقدها ، فينقلب شاكرا بعد عودها ، بل الكافر باللّه عز وجل قد تنبه الشدائد والأهوال مركز الشعور بوجود الرب الخالق المدبر لأمور الخلق في دماغه ، وتذكره بما أودع في فطرته من وجود مصدر لنظام الكون واقداره ، كما وقع كثيرا ، والآيات في هذا كثيرة تقدم بعضها ، وقد روي لنا ان الحرب العظمى قد كان لها هذا التأثير حتى في أقل الناس تدينا وهم أهل مدينة باريس فكانت المعابد ترى مكتظة بالمصلين في أثناء شدائد الحرب ومن مباحث البلاغة ان نكتة خلو جملة « أخذنا أهلها » الحالية من الواو وقد - هي أن الأصل في المقترنة بهما ان يكون مضمونها مقدما على العامل فيها كالجملة الاسمية . فإذا قلت ما فعل زيد كذا الا وفدا عد له عدته - كان المتبادر انه أعدها قبل الشروع في فعله لأجله كقوله تعالى في الجملة الاسمية ( وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ ) أي متلبسون بالظلم من قبل لا حال الاهلاك فقط ، وإذا قيل : ما فعله الا اعدله عدته - شمل إعدادها قبله لأجله وهي الحال السابقة ، واعدادها عند الشروع فيه وهي الحال المقارنة ، بل هذه المتبادرة إلى الذهن هنا كقولك : ما سألته الا أجابني ، أي عند السؤال ، ولا يصح أن تقول الا وقد أجابني ، ويصح أن تقول ما سألته الا وقد أذن لي ، أي قبل السؤال . فان قلنا إنه يتعين أن تكون الحال مقارنة في الآية اقتضى ذلك ان يكون ما أفادته هي وما بعدها من الابتلاء بالسيئة ثم بالحسنة ثم بما يترتب عليها من الكثرة وكفر النعمة واقعا كله بعد ارسال الأنبياء وفي عهدهم وهو قد يصدق في قوم نوح دون من بعده فلذلك قلنا إنها تشمل الحال السابقة والمقارنة ، فليتأمل فإننا لم نر لاحد بحثا في هذه المسألة . ولكن الامام عبد القاهر الجرجاني حقق أن الحال المفردة تفيد المقارنة والجملة الحالية
--> ( 1 ) قالوا إن جملة أخذنا حالية ولم تقرن بالواو وقد لوقوعها بعد « إلا » وهو جائز بالثلاثة الأوجه : الواو وحدها والواو مع قد وحذفهما معا